أنت هنا

الجزائرعهد للعهد وند للند

لطالما عرفت الجزائر بمواقفها المبدئية المستقلة قبل وبعد الاستقلال، فهذا البلد الافريقي، العربي، الأمازيغي والإسلامي، ينفرد بخصال حميدة وعديدة لعل أهمها في هذا العصر هو الثبات على العهد وإستقلالية القرار السياسي السيادي عن أي تأثيرات مهما كان حجم انعكاساتها و تردداتها.

 فللجزائر دبلوماسية يشهد لها العدو قبل الصديق والبعيد قبل القريب بالحنكة والقدرة على حلحلة الازمات بطرق سياسية سلمية، ولا شك أن هذا الدور برز جليا خلال أزمة ليبيا، مالي وتونس كأمثلة للذكر لا الحصر، فضلا عن المواقف المشرفة للدولة الجزائرية من البلدان التي شهدت ما سمي بالربيع العربي كسوريا مثلا، بالإضافة إلى الموقف الشجاع للجزائر من حصار الإخوة في الخليج العربي لجيرانهم في قطر، أيام تكالب الإخوة على الإخوة والجيران، فظل دور الدبلوماسية الجزائرية ثابتا، ناصرا للحق داعيا للصلح ونبذ الظلم كعقيدة راسخة ومبدئية لحل مختلف القضايا والأزمات الدولية.

نصرة الشعوب ودعمها في تقرير مصيرها ركيزة أساسية هي الآخرى لا تستقيم السياسة الخارجية الجزائرية من دونها، لأنها مبدأ من مبادىء ثورة نوفمبر المجيدة، المبدأ الذي ترى فيه الجزائر التقاعس عن نصرة الشعوب في تقرير مصيرها خيانة لعهد الشهداء وعهد الوطن.

فظلت الجزائر وبالرغم من التحديات الأمنية والإقتصادية التي مرت بها ثابتة شامخة في المحافل الدولية صوت الشعوب المستعمرة من جنوب إفريقيا لفلسطين والصحراء الغربية، تدافع وبكل بسالة وعز عن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها ونيل استقلالها وحريتها. وفي ما يعيشه العالم اليوم من تأثير الأزمة الإقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا وما خلفته من خسائر اخلطت حسابات كبرى إقتصادات العالم، وسطرت عصر جديد تتحكم فيه القوة الإقتصادية وتلقي بثقلها فيه على مختلف القضايا الدولية لا سيما ما يتعلق بالنزاعات، وجدت الجزائر الجديدة نفسها في سباق قوامه القوة الاقتصادية للبلدان بالدرجة الاولى وإثبات الذات على الساحة الدولية.

فعصر الجزائر الجديدة أعاد الدبلوماسية الجزائرية للواجهة الاقليمية والدولية وأعطى الجزائر مكانتها ووزنها كقوة إقليمية في شمال إفريقيا وميزان إستراتيجي للامن والاستقرار في البحر الأبيض المتوسط، وشريك موثوق في تعهداته مع الدول الأوروبية ودول العالم.

في ظل الأزمة الاوكرانية وما نتج عنها من فجوة في العلاقات الروسية الأوروبية وما خلفته من أثار على سوق الطاقة في وقت تحتاج فيه اوروبا الى بديل للغاز الروسي، واقع فرض فيه الاقتصاد نفسه على علاقات الدول والشعوب على حد سواء، ولأن عالم اليوم لا يحترم ضعف الدول ولا القيم الإنسانية ولا عمق الصداقة والمصداقية، وجدت الجزائر نفسها مجبرة على التعاطي مع موقف الحكومة الاسبانية الجديد والخطير تجاه الصحراء الغربية، فبالرغم من تصريح رئيس الحكومة الاسبانية بهذا الموقف منذ شهرين على الاقل، إلا أن الدبلوماسية الجزائرية وكعادتها ظلت رزينة في الرد بأسلوبها على حكومة بيدرو شانتشيز، واكتفت بسحب السفير الجزائري بمدريد، عسى أن تصل الرسالة الى الحكومة الاسبانية وتتراجع عن هذا لإنزلاق الخطير الذي يدير الظهر لمسؤولية إسبانيا أخلاقيا وتاريخيا وقانونيا في الصحراء الغربية.

غير أن رئيس الحكومة الاسبانية ماض في حماقته عكس إرادة شعبه الذي يدعم وبقوة حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والحرية، وجدت الجزائر نفسها أمام واقع يفرض التوقيف الفوري لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار الموقعة قبل عقدين من الزمن بين المملكة الاسبانية والجزائر والتي تؤكد في بندها ما قبل الأخير أن البلدين يحترمان القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهذا ما لم تحترمه حكومة شانتشيز اليوم برضوخها لضغط المخزن المغربي وتأييدها لقمعه للصحراويين وسلب ارضهم بدل الحفاظ على الموقف التقليدي المحايد لإسبانيا من النزاع في الصحراء الغربية المحتلة.

هذا الموقف الجزائري السيادي والذي يؤكد من دون شك على إستقلالية القرار السياسي في بلد يعد الأقوى مغاربيا على الصعيدين الإقتصادي والعسكري، بل ويعكس مكانة الجزائر ووزنها في السياسة الدولية، كدولة جيوإستراتيجية تقف الند للند أمام اي كان ستسول له نفسه المساس بأمن او مصالح الجزائر، وظهر ذلك جليا بعد الرفض الجزائري للتطبيع في وقت سارعت العديد من الدول العربية الى الانبطاح للإحتلال الاسرائيلي، بل إن الجزائر ألقت بكل ثقلها الدبلوماسي لرفض عضوية شرفية للكيان الصهيوني في الاتحاد الافريقي، كونه قوة إحتلال للقدس وفلسطين.

بالإضافة إلى موقف الجزائر من تصريحات الرئيس الفرنسي حول الجزائر وما خلفه من استدعاء للسفير الجزائري وقطع للمجال الجوي الجزائري على الطائرات العسكرية الفرنسية المتجهة الى مالي، موقف أدهش الفرنسيين وبرهن أن الجزائر الجديدة هي عصر جديد لعهد متين وند للند بكل تأكيد.