أنت هنا

السياسة الخارجية الصحراوية في ظل النظريات الفلسفية "

أضفت تغيرات السياسة الدولية خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي على أبرز مبادئ عقيدة السياسة الخارجية للدولة الصحراوية و جبهة البوليساريو " مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها " نوعا من الأفول و التقاعس في جذب المؤيدين و المتضامنين من الفواعل الدولية مع القضايا التحررية في العالم.

منذ تأسيس رائدة كفاح الشعب الصحراوي و إعلان عن قيام الجمهورية الصحراوية عقب خروج أخر جندي إسباني من الإقليم، أبى صنّاع القرار الصحراويين في أوج فترة الاستقطاب الإيديولوجي بين الغرب و الشرق إلا بتركيز جهودهم الدبلوماسية على الدول الداعمة لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، بدافع كسب مواقفها و ضمان تأييدها السياسي، إلا أن حالات التفاعل و عدمها لهذا المبدأ تأثرت بالظروف السائدة في السياسة الدولية و عليه نطرح الإشكالية التالية : هل المبادئ و القيم الثورية لم تعد نافعة لتحقق أهداف الخارجية الصحراوية في ظل إهتمام النظام العالمي الجديد لمفهوم المصالح المتبادلة بدل المبادئ ؟

برزت قضية الصحراء الغربية في سبعينيات القرن الماضي كموضوع إهتمام كبير من بعض الدول المنطوية تحت المعسكر الشرقي و دول كثيرة من حركة عدم الإنحياز خاصة، و التي تتبنى في معتقد سياساتها الخارجية مبدأ حق الأمم في تقرير المصير غير القابل للتصرف، لكن سرعان ما آفل نجمها في ما يعرف بما بعد الحرب الباردة، و يعود ذلك التقاعس لبروز الفلسفة الواقعية التي رمت بخطاب المبادئ على وجه الحائط، كمخلفات الصراع الأيديولوجي، و اعلنت مفهوم المصالح المشتركة كضابط رئيسي ينظم العلاقات الدولية.

 نجحت السياسة الخارجية الصحراوية بعد التأسيس في جمع انصار التحرر عبر العالم لصالحها و جعلت الاحتلال المغربي و ازلامه يكابدون الخسائر الدبلوماسية تلوى الاخرى في المحافل و اللقاءات الاقليمية و الدولية.

الأكيد إن العالم اليوم لازال متمسك بشعار حق الشعبين الصحراوي و الفلسطيني في تقرير المصير، لكنه لا يعترف به كحق شرعي و مطلب يضمنه القانون الدولي فقط، بل تستغله الدول في خطابات رؤسائها و وزرائها التي أبانت عن اكبر عملية خداع سياسي ما دامت لم تحترم و تنفذ و تحمي هذا الحق.

إن الإهتمام العالمي المتزايد للمصالح في بداية الألفية الثالثة قيد خطاب القيم الثورية التي أمنت بها دول في مرحلة ما، هذه القيود جعلتها تتراجع عن قرار دعم و مساندة الشعب الصحراوي و وضعت الدبلوماسية الصحراوية في مأزق و حرجة سياسية يصعب الخروج منها.

إن تصاعد الأحزاب الليبرالية المعارضة للأنظمة التحررية إلى الحكم في دول كانت صديقة "الشعب العربي بالساقية" مكنها بتبديل سياسة خارجية تلك الأنظمة واضعة إياها طرف مهتم بلعبة المصالح الدولية، حيث لا وجود للقيم و الأخلاق، هذا ما يفسر حالات التراجع الدبلوماسي أثناء سحب إعتراف بعض الدول أو تجميد علاقات دول اخرى.

 عادة تحتفظ الاحزاب الاشتراكية بأسلوبها في مواجهة المد الرأسمالي محاولة منها لنشر الثقافة اللينينية و إيماناً منها بعودتها من جديد بقوة في النظام الدولي، لكن ما يبرر تراجعها ليس هذا و فقط، بل صعوبة تطبيق أفكارها في الوقت الحالي. الأكيد أن تراجع القوى الإشتراكية عبر العالم يعكس بصورة أخرى آفول الحركات التحررية وضعفها في التأثير على العالم.

فالجبهة الشعبية أيضا تأثرت بهذه المتغيرات الدولية التي بلورت الفاعلية المحدودة لأحد أهم المبادئ التي تقوم عليها عقيدة السياسة الخارجية الصحراوية منذ التأسيس إلى وقتنا الحالي.

 وفي الأخير نستخلص شيئين إثنين الأول : أن خطاب المبادئ و القيم لم يعد يجدي نفعاً في فترة النظام العالمي الحالي الداعي إلى تعزيز التعاون الإقتصادي في إطار المصلحة المتبادلة، الثاني : أن على صنّاع القرار السياسي الإسراع في تبني حملة شاملة تكون بنفس أساليب و ادوات دولة الإحتلال و يكون التنازل ممكن إن تطلب الأمر و لا يشمل ذلك السيادة.