أنت هنا

معركة مدينة لكويرة: ملحمة الاستبسال الى أخر طلقة (من  10 إلى 20 ديسمبر 1975م)(الجزء الأول)

تبدو لكويرة اطلالا وخرابا فظيعا، كأنها قرية مرّ عليها المغول ذات يوم. في 20 ديسمبر 1975م، أعيدت لكويرة إلى القرون الوسطى بسبب الدمار الأعمى والوحشي الذي قام به المجرمون من فيالق  موريتانيا والمغرب، هي التي كانت ستكون، لو لم يحدث ذلك الدمار، من أجمل المدن والموانئ على المحيط الأطلسي.

معنى " لكويرة " في اللهجة الحسانية هو تصغير لاسم "الغارة" التي تعني، في العربية، المرتفع المنعزل في أرض منبسطة. تعتبر لكويرة هي أقصى نقطة في الجنوب الغربي للصحراء الغربية، وأقرب مدينة موريتانية إليها هي مدينة نواذيبو، التي تبعد عنها بحوالي سبع كلومترات. قبل خيانتهم، قام الاسبان بجمع أشياءهم الثمينة التي كانوا يحتفظون بها في لكويرة، وقاموا بنقل رفاة عشرين اسبانياً كانوا مدفونين في مقبرة تلك القرية الجميلة التي تغمس قدميها في المحيط الاطلسي. حين غادر الإسبان مدينة لكويرة يوم 6 نوفمبر 1975م، دخلت اليها القوات الصحراوية، فاستقبلها السكان، وتم رفع العلم الصحراوي على المباني الرسمية وفي الشوارع.

بعد اتفاق مدريد وتقسيم الصحراء الغربية، وإعطاء الجنوب لموريتانيا، قرر المقاتلون الصحراويون الذين دخلوا المدينة الدفاع عنها ومنع الموريتانيين من احتلالها بسهولة. فالكويرة، في التفكير  الصحراوي، هي أهم نقطة استراتيجية في جنوب الصحراء الغربية، وهي التي سيبدأ منها احتلال إقليم وادي الذهب، ولا بد من خوض معركة كبيرة فيها. فبكل تأكيد، سيبدأ الموريتانيون زحفهم منها، وبكل تأكيد، أيضا، إنهم لن يصلوا إلى الداخلة إذا لم يسيطروا على لكويرة. إذن، كانت لكويرة في التفكر الصحراوي، هي نسق الدفاع الأول عن وادي الذهب وتيرس، وفي تفكير الجيش الموريتاني والمغربي والمنظرين الفرنسيين، لا يمكن أن تحتل موريتانيا تيرس ووادي الذهب قبل السيطرة  على لكويرة. في حالة يفشل الموريتانيون في السيطرة على لكويرة، سيفشل احتلالهم لإقليم وادي الذهب وتيرس.

على ما يبدو، كان الجيش الصحراوي واعٍ بأهمية لكويرة في دحر موريتانيا ومنع احتلال تيرس ووادي الذهب، وفي تأخير تقدم الجيش الموريتاني نحو مدينة الداخلة. إذا تصفحنا لائحة المقاتلين الذين تم إرسالهم إلى مدينة لكويرة وتفحصنا لائحة قادتهم، سنجد أنه تم اختيارهم بعناية للقيام بعمل استشهادي أو انتحاري لا يستطيع أن يقوم به أحد غيرهم. هنا نذكر بعض اسماء ابطال وقادة تلك الملحمة لنؤكد الأهمية التي أعطيت لملحمة لكويرة: بوزيد احمين، البندير،  محمد العيطة، باهية اب بوزيد، علي احمد زين، المامي سدوم، خطري ولد سيدي العربي، حمادي البايفو اللائحة طويلة.

أولئك الاشاوس الذين قرروا خوض تلك المعركة، في لكويرة،  كانوا يدركون جيدا أنهم سيستميتون الى أخر رجل منهم وآخر طلقة وإلى النهاية. ظروف تلك المعركة وموقع المدينة الجغرافي  وبُعدها عن مراكز الإمداد الصحراوية- تبعد ب1200كلم عن الرابوني- ومحاصرتها بالبحر، وزحف العدو الموريتاني نحوها من الشرق والشمال، ووجود منفذ وحيد للانسحاب يمكن غلقه بسهولة من جهة الشمال، يجعل من خوض معركة في لكويرة سنة 1975م، بالوسائل العسكرية القليلة آنذاك، مغامرة أو انتحار أو  صمود، وسيكون شعارها: إلى آخر طلقة وآخر مقاتل.

أقام المقاتلون الصحراويون الذين قرروا الدفاع عن لكويرة حتى الاستشهاد أو الأسر، مراكز فصائلهم وتحصيناتهم في الأماكن التالية: فصيلة تحصنت في casa matcotegui وهي مصنع قديم للملح، في اقصى المدينة جنوبا، وفصيلة تحصنت في مركز الشرطة القديم، وفصيلة في بنايات insamar،  وهي مصنع قديم لدقيق السمك(Ejército, revista de las armas y servicio, dicembre1985)).

عند حدود المدينة الخارجية، من الجهة الشمالية والشرقية، أقام المقاتلون انساق دفاعهم لأولى، وحفروا خنادقهم ونسقوا نيران رشاشاتهم ومدفعيتهم. الجانب الموريتاني، أيضأ، كان يعرف أن مدينة لكويرة هي بوابة تيرس والداخلة، وأنه إذا لم يحتلها فلن يصل ابدا إلى مدينة الداخلة. من جهة أخرى، كان المغاربة، في محاولة منهم لخلق فكي كماشة حول الجيش الصحراوي، ولتخفيف الضغط عنهم، يضغطون على موريتانيا كي تحتل الجزء الجنوبي الخاص بها.

وإذا كان الجيش الصحراوي وجّه مجموعة من أفضل عناصره للدفاع عن لكويرة، فإن الجيش الموريتاني، من جهته، وجه لها اقوى فرقة منه. وجّه الجيش الموريتاني إلى لكويرة أحسن وأقوى فرقة عنده- الفرقة رقم واحد- التي يقودها احمدو ولد عبد الله، وينوب عنه الملازم " صار" الذي أتوا به من بئر ام كرين لهذه المعركة. 

تلك المعركة- لكويرة-، بعد أن اشتدت، خاصة يوم 16، تدخلت فيها ثلاث قوى: فرقة دعم فرنسي مستعجل بالسلاح،  فيلق من مدفعية من الجيش المغربي وسبعة فيالق من الجيش الموريتاني.

هجوم يوم 10 ديسمبر الشامل

بعد خروج إسبانيا الجبان في الليل من الجنوب الصحراوي، بدأت موريتانيا، بضغط من المغرب، تستعد لملء الفراغ. أقام الجيش الموريتاني، بداية من يوم 10 نوفمبر 1975، وحدات في النقاط الحدودية مثل بئر ام كرين، اينال، نواذيبو، اطار، شوم، وبدأت مراكزه الخلفية تتقوى للزحف نحو الشمال. إذن، الجيش الموريتاني سيهجم، لا محالة، على جنوب الصحراء الغربية، وبدل انتظار أن يبادر بالهجوم، قرر الجيش الصحراوي الهجوم عليه هجوما مفاجئا ومباغتا في عقد داره. تم تحديد يوم 10 ديسمبر 1975م لهجوم كاسح وشامل، يبدأ على الساعة الخامسة والنصف فجرا، يشمل المراكز العسكرية الحدودية. تم استهداف بئر ام كرين، اينال، نواذيبو، القطار الناقل للحديد، في نفس الوقت. بالنسبة للهجوم على نواذيبو، سيقوم به المقاتلون المرابطون في لكويرة. كانت خطته بسيطة، وهي أن تتوجه قوة صغيرة  تحمل هاون ب10، و11 قذيقة لتنفيذ العملية. في الوقت المحدد، على الساعة صفر- الخامسة والنصف- من يوم 10 ديسمبر، تم قصف المطار والمحطة الكبرى للكهرباء. ورغم أن القذائف لم تصيب المحطة مباشرة، إلا أنها فرضت على السلطات أن تقرر حظر التجول.  

هجوم الجيش الموريتاني على لكويرة

في جلسة في نواذيبو، كان قائد الفرقة رقم واحد في الجيش الموريتاني، احمدو ول عبد الله، يطلب من حكومته أن يهجم على لكويرة (مجلة اقلام الموريتانية 26/7/2019 ). فعلا، يوم 10 ديسمبر 1975م، جاء الأمر إلى قائد الفرقة الأولى في الجيش الموريتاني، احمدو ولد عبد الله، ليهجم على لكويرة ويحتلها. تحركت تلك الفرقة من نواذيبو نحو لكويرة لاحتلالها. ما كادت تلك تصل الى مشارف المدينة حتى فتح عليها الجحيم أبوابه من خنادق دفاع المقاتلين الصحراويين. شتت رصاص الرشاشات والقذائف شملها فرجعت على اعقابها في فوضى. على مدى أربعة أيام وتلك القوة تتقدم فتستقبلها النيران فترجع، وتتقدم فتنكسر، وفي اليوم السادس شاهد المقاتلون الصحراويون الذين كانوا يراقبونها بالمنظار، أنها انسحبت بدون نظام، وأن قادتها فقدوا السيطرة على التحكم فيها. يقول أحد القادة الموريتانيين واصفا الوضع الذي أصبحت عليه القوات الموريتانية في اليوم السادس من القتال في لكويرة:" سرعان ما وجدنا أنفسنا في جو من الرعب والخوف الذي خيم علي وحداتنا المقاتلة، هذه القوات التي أمضت ستة أيام بين كر وفر، وقد خيل إليها أن "لكَويره" لا يمكن الاستيلاء عليها ابدا. كان قائد التجمع رقم 1 يبدو وكأنه يعتبر المعركة مسألة شخصية، ولم يكن يعطي معلومات لأحد ولا يسمح لضباطه بأية مبادرة مما جعلهم، أو علي الأقل غالبيتهم، يفقدون الثقة في أنفسهم وفي قائدهم، وأصبح البلد كله في حيرة شديدة، وحتى الحكومة أيضا كانت في حيرة مما يجري (مجلة اقلام الموريتانية 26/7/2019 ).

في الميدان، كان المقاتلون الصحراويون يحاولون أن يبقى طريق الانسحاب نحو الشمال مفتوحا، وكلما اقتربت منه قوة يتصدون لها ويدمرونها. يقول الموريتانيون عن ذلك التكتيك:" قام العدو- الجيش الصحراوي- بعملية تموقع قبالة قواتنا مما أدي الي ضغط عليها دفعها الي إخلاء مواقعها وترك الطريق مفتوحا لحركة سيارات العدو وتسهيل تموينه وهروبه عند الحاجة:"( مجلة أقلام، مرجع سابق)

حدث استنفار في نواقشوط وباريس والرباط. نواقشوط في حاجة الى دعم بالسلاح والبواخر والطيران والمدفعية كي تحتل لكويرة وتتفادى هزيمة محققة في أول معاركها.

بالنسبة للقوة الصحراوية المتحصنة عند أطراف المدينة، كانت ذخائرها تنفذ شيئا فشيئا، وكانت قواعد امدادها على بعد أكثر من ألف كلم، والطريق الى هناك يكاد يكون مقطوعا.

حين اشتدت المعركة، سيصاب قائد الفرقة الأولى الموريتانية، وتصاب طائرتان، ويتدهور الوضع الميداني للقوة الموريتانية وتأتي النجدة من المغرب وفرنسا.

في انتظار أن تأتي النجدات من الرباط وباريس، تعقّد الوضع الميداني للفرقة الأولى الموريتانية التي تحاول دخول لكويرة. أصيب قائدها، احمدو ولد عبد الله، يوم 16  ديسمبر في خده، وذهب الى المستشفى، وأصبحت بلا قائد. في نواذيبو لم يتسع المستشفى الوحيد في المدينة للجرحى الكُثر القادمين من ميدان معركة لكويرة. بأمر من السلطات العلياء،  تم إخلاء المستشفى من المرضى وإعطاء اسرتهم للجرحى من الجيش. بدأت الطائرات تُحلق وتقصف، ومنذ يوم 18 ديسمبر بدأت القذائف تسقط على مباني الدشرة من البحر. جاءت نجدة مغربية من سلاح المدفعية وبدأت هجوما عنيفا بالقذائف الثقيلة. تجمع الجيش الموريتاني، وجاءت فرق النجدة من اينال وبولنوار، وأصبح عدد الفرق التي تستعد لاقتحام لكويرة حوالي سبعة. كانت الخطة التي رسم الجيش الموريتاني سيتم تنفيذها على  الشكل التالي: تبدأ المدفعية تقصف المدينة لمدة ساعة أو أكثر، وبعدها تُوقف القصف فتقتحم الفرقة الأولى وتتبعها بقية الفِرق. تقدمت الفرقة الاولى صباح يوم 20 ديسمبر، قبل توقف قصف المدفعية، وحين وصلت الى المدينة سقطت قذائف صديقة بين جنودها فمات وجُرح منهم الكثير.

وليس مستشفى نواذيبو هو الذي امتلأ من الجرحى والقتلى الموريتانيين، لكن، أيضا، مستشفى نواقشوط. يقول تقرير للسفارة الامريكية بنواقشوط بتاريخ 19 ديسمبر 1975م  " أنه تم إغلاق المستشفى لاستقبال جميع ضحايا القتال على الحدود الشمالية(لكويرة) فقط، وتم إخراج المرضى العاديين رغم وضعهم الحرج ليحل الجرحى محلهم. لقد أصدرت الحكومة تعليمات بأنه يجب أن يحصل الجنود المصابون على الأولوية قبل الجميع، وقد تم إجبار العديد من المرضى بطريقة عنيفة على التخلي عن أسرّتهم لحالات الحرب. لا يزال المستشفى محملاً ولكنه يعمل) تقرير السفارة الأمريكية في نواقشوط بتاريخ 19 ديسمبر 1975م، تحت الرقم

1975NUAKC02620_b)

 

يوم قبل احتلال المدينة، كانت موريتانيا، كلها، تعيش تحت صدمة ما حدث، وما تعرض له الجيش الموريتاني من خسائر بشرية. أُعلن عن حظر التجول في نواقشوط، وحسب تقرير ثان للسفارة الأمريكية، فإنه ": يوم 18 ديسمبر، لم يكن يٌسمع إطلاق نار بالأسلحة الخفيفة في مطار نواذيبو، لكن قذائف المدفعية الكبيرة كانت تُسمع من بعيد. يمكن ملاحظة أن حظر التجول كان ساري المفعول على كل المقيمين في المدينة التي كانت تعج بالقوات. عادت طائرة موريتانية إف -27 إلى نواكشوط صباح يوم 18 ديسمبر لإصلاح محركها المعطل(أصيبت في المعركة)، وعادت طائرة أخرى للقوة الجوية إلى نفس المطار  للإصلاح بعد أن ثقبت رصاصة خزان الوقود والزنك. تم أيضًا بدء عمليات الإصلاح في طائرة DC-3 التابعة للخطوط الجوية الثانية الموريتانية، والتي خرجت من الخدمة عندما اصيب جناحها بالرصاص. لا تزال طائرات C-130 المغربية تصل إلى مطار نواكشوط خلال الليل. كما لُوحظت طائرة عسكرية فرنسية تغادر المطار صباح يوم 18 ديسمبر( تقرير السفارة الأمريكية في نواقشوط بتاريخ 19 ديسمبر 1975م، تحت الرقم:

1975NUAKC02608_b)

إذن، معركة لكويرة، نظرا لأهمية كسبها، حركت جيوش فرنسا والمغرب وموريتانيا. فبكل تأكيد أن طائرتين موريتانيتين اصيبتا برصاص الرشاشات الخفيفة في لكويرة. يقول تقرير امريكي ثالث متحدثا عن إصابة الطائرات الموريتانية في عملية لكويرة: "تواصل الطائرات المغربية رحلاتها الليلية المنتظمة إلى مطار نواقشوط. في 16 ديسمبر،(- أحد اشرس أيام معركة لكويرة أو اليوم الذي كادت تسلم فيه القوات الموريتانية بالهزيمة)-خرجت طائرتان موريتانيتان من الخدمة بسبب مشاكل المحرك. تم استخدام طائرتين مدنيتين لأغراض عسكرية في أوقات الصعوبة. تجثم الطائرة الثانية حاليا في المطار (تقرير السفارة الأمريكية في نواقشوط بتاريخ 17 ديسمبر 1975م، تحت الرقم 1975nouakc02697_b) في مطار    

يقول كادير في مذكراته:" وضعت خطة أخري لقصف لكَويره بطائرة نقل العتاد. كانت المهمة حساسة وشائكة. قمت رفقة النقيب ابراهيم والنقيب أتييه بشحن 400 كغ من المتفجرات من نوع TNT من أجل تجربة العملية، ثم أقلعت مع ترك الباب الخلفي مفتوحا وهو إجراء غير اعتيادي، وكان علي اتخاذ الكثير من التدابير الخاصة مثل الحفاظ علي سرعة معينة، وتلافي انحدار شديد في التحليق حتى لا يختل التوازن، واتخاذ إجراءات احترازية حتى لا أعرض الضابطين اللذين يرافقاني للخطر، كما كان علي أيضا آن أتصرف ب"رشاقة" في كافة العمليات(جريدة اقلام مصدر سابق)

يتبع .....

المصدر :blog-sahara.blogspot.com.es